النووي
62
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، وَلَوْ أَتْلَفُوا شَيْئًا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ ، لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُضْمَنُونَ فِي قَوْلٍ ; لِأَنَّا أَسْقَطْنَا الضَّمَانَ عَنْهُمُ اسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ إِلَى الطَّاعَةِ لِئَلَّا يُنَفِّرَهُمُ الضَّمَانُ ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ ، وَلَوْ أَتْلَفُوا نَفْسًا ، قَالَ الْإِمَامُ : إِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ عَلَى الْبُغَاةِ ، فَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : يَجِبُ ، كَالضَّمَانِ ، وَالثَّانِي : لَا ، لِلشُّبْهَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَحْوَالِهِمْ ، وَإِذَا قُلْنَا : لَا يَنْتَقِضُ الْأَمَانُ فَجَاءَنَا ذِمِّيٌّ تَائِبًا ، فَفِي ضَمَانِ مَا أَتْلَفَ طَرِيقَانِ ، أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، وَالثَّانِي : عَلَى قَوْلَيْنِ ، كَالْبُغَاةِ . فَرْعٌ قَاتَلَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَهْلَ الْبَغْيِ ، لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُمْ حَارَبُوا مَنْ يَلْزَمُ الْإِمَامُ مُحَارَبَتَهُمْ . فَرْعٌ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِمَنْ لَهُمْ أَمَانٌ إِلَى مُدَّةٍ ، انْتُقِضَ أَمَانُهُمْ ، فَإِنْ قَالُوا : كُنَّا مُكْرَهِينَ ، وَأَقَامُوا بَيِّنَةً عَلَى الْإِكْرَاهِ فَهُمْ عَلَى الْعَهْدِ ، وَإِلَّا انْتُقِضَ أَيْضًا . فَصْلٌ اقْتَتَلَ طَائِفَتَانِ بَاغِيَتَانِ ، فَإِنْ قَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَهْرِهِمَا ، وَهَزَمَهُمَا ، لَمْ يُعِنْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى إِلَّا إِذَا أَطَاعَتْ ، فَيُعِينُهَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَهْرِهِمَا ، ضَمَّ إِلَى نَفْسِهِ أَقْرَبَهُمَا إِلَى الْحَقِّ ، وَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى الْأُخْرَى ، وَإِنِ اسْتَوَيَا اجْتَهَدَ فِيهِمَا ، وَلَا يُقْصَدُ بِضَمِّ الْمَضْمُومَةِ إِلَيْهِ مُعَاوَنَتُهَا ، بَلْ يُقْصَدُ دَفْعُ الْأُخْرَى ، فَإِنِ انْدَفَعَ شَرُّ الْأُخْرَى ، لَمْ يُقَاتِلِ الْمَضْمُومَةَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَدْعُوَهَا إِلَى الطَّاعَةِ ; لِأَنَّهَا بِالِاسْتِعَانَةِ صَارَتْ فِي أَمَانِهِ ، وَلَوْ أَمَّنَ عَادِلٌ بَاغِيًا ، نَفَذَ أَمَانُهُ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوِ امْرَأَةً .